السيد نعمة الله الجزائري
219
الأنوار النعمانية
إليها فإذا موضع تلك المدينة بحر ، وإذا غواصون يخرجون منها اللؤلؤ فقلت لبعض الغواصين منذ كم هذا البحر هيهنا ؟ فقالوا سبحان اللّه ما يذكر آباؤنا ولا أجدادنا الّا انّ هذا البحر منذ بعث اللّه الطوفان ، ثم غبت عنها نحوا من خمسمائة عام ثمّ انتهيت إليها فإذا ذلك البحر قد غاض ماؤه وإذا مكانه أجمة ملتفة بالقصب والبردي والسباع ، وإذا صيادون يصيدون السمك في زوارق صغار ، فقلت لبعضهم اين البحر الذي كان هيهنا ؟ فقال سبحان اللّه ما يذكر آباؤنا وأجدادنا انّه كان هيهنا بحر قط ، فغبت عنها نحوا من خمسمائة عام ثم اتيت إلى ذلك الموضع فإذا هو مدينة على حالته الأولى والحصون والقصور والأسوار قائمة ، فقلت لبعضهم اين الأجمة التي كانت هيهنا ومتى بنيت هذه المدينة ؟ فقال سبحان اللّه ما يذكر آباؤنا وأجدادنا الا انّ هذه المدينة على حالها منذ بعث اللّه الطوفان ، فغبت عنها نحوا من خمسمائة عام ثم انتهيت إليها فإذا عاليها سافلها وهي تدخن بدخان شديد فلم أر أحدا أسأله عنها ، ثم رأيت واعيا فسألته اين المدينة التي كانت هيهنا ؟ ومتى حدث هذا الدخان ؟ فقال سبحان اللّه ما يذكر آباؤنا وأجدادنا الا انّ هذا الموضع كان هكذا منذ كان ، فهذا أعجب شيء رأيته في سياحتي في الدنيا فسبحان مبيد العباد . ولما ثقل عبد الملك بن مروان رأى غسّالا يلوي بيده ثوبا ، فقال وددت اني كنت غسّالا لا أعيش الا بما أكتسبه يوما فيوما ، فبلغ ذلك ابا حازم فقال الحمد للّه الذي جعلهم عند الموت يتمنون ما نحن فيه ولا نتمنى عنده ما هم فيه ، وكانت العرب لا تعرف الألوان انّما طعامهم اللحم يطبخ بماء وملح حتى كان زمن معاوية ، فاتّخذ الألوان واسرف فيها وما شبع من كثرة ألوانه حتى مات . وقيل إن السبب الموجب لنزول معاوية بن يزيد بن معاوية عن الخلافة انّه سمع جاريتين يتلاحيان وكانت إحديهما بارعة الجمال ، فقالت لها الأخرى لقد أكسيك جمالك كبر الملوك ، فقالت الحسناء واي ملك يضاهي ملك الحسن وهو قاض على الملوك وهو الملك حقا ، فقالت لها واي خبر في الملك وصاحبه امّا قائم بحقوقه وعامل بالشكر فيه فذاك مسلوب اللذة والقرار منغص العيش ، وامّا منقاد لشهواته ومؤثر للذة ومضيّع للحقوق ومنصرف عن الشكر فمصيره إلى النار ، فوقعت الكلمة من نفس معاوية موقعا مؤثرا وحملته على الأنخلاع عن الخلافة فقال له أهله أعهدت إلى أحد يقوم بها مكانك ؟ فقال كيف اتجرّع مرارة فقدها وأتقلّد تبعة عهدها ، ولو كنت مؤثرا بها لأثرت بها نفسي ، ثم انصرف وأغلق بابه ولم يأذن لأحد ، فلبث بعد ذلك خمسا وعشرين ليلة ثمّ قبض ، وقالت له أمه عندما سمعت منه ذلك ليتك كنت حيضة ، فقال ليتني كنت حيضة كما تقولين ولا اعلم انّ للناس جنة ولا نارا ولا للنار أناسا ، ونحو ذلك من الموعظ والنصائح . وينبغي للوالي ان لا يتأنق في الملبس في غير أيام اعياده بل يلبس الأوسط من الثياب ليرغب الناس في لبس الأدنى ، فتتوفر الأموال بين الرعية ويكثر أسباب الخير عندهم ، ولعلم